
تُعد معامل الترميم في المتحف المصري الكبير من أهم وأحدث مراكز صون الآثار في العالم، حيث تمثل القلب العلمي والتقني للمتحف. أُنشئت هذه المعامل وفق أحدث المعايير الدولية في مجال حفظ وصيانة التراث الثقافي، لتكون قادرة على التعامل مع مختلف أنواع المواد الأثرية التي تعود إلى آلاف السنين، سواء كانت عضوية أو غير عضوية.
تقع معامل الترميم داخل مركز متخصص يُعرف باسم مركز ترميم وصيانة الآثار، وهو من أكبر مراكز الترميم في الشرق الأوسط. يضم المركز عددًا كبيرًا من المعامل المجهزة بأجهزة متطورة تعمل بأحدث تقنيات الفحص والتحليل العلمي. وتنقسم المعامل إلى أقسام متخصصة حسب نوع المادة الأثرية، مثل معامل ترميم الأخشاب، والمعادن، والأحجار، والفخار، والمنسوجات، والبرديات، بالإضافة إلى معمل خاص بالمومياوات والمواد العضوية.
تعتمد عملية الترميم داخل هذه المعامل على منهج علمي دقيق يبدأ أولًا بالفحص والتوثيق. حيث يتم تصوير القطعة الأثرية باستخدام تقنيات التصوير العادي والمتقدم، مثل التصوير بالأشعة السينية والتصوير الميكروسكوبي، للكشف عن حالتها الداخلية ومدى التلف أو الشروخ الموجودة بها. بعد ذلك تُؤخذ عينات دقيقة جدًا – عند الضرورة – لتحليل مكوناتها الكيميائية والفيزيائية، بهدف اختيار أنسب مواد وأساليب الترميم التي لا تؤثر سلبًا على الأثر.
من أبرز ما يميز معامل الترميم في المتحف المصري الكبير هو استخدامها للتكنولوجيا الحديثة مثل أجهزة التحليل الطيفي، وأجهزة قياس الرطوبة والحرارة، وأنظمة التحكم البيئي الدقيقة التي تضمن توفير بيئة مناسبة للقطع الأثرية أثناء العمل عليها. كما تُستخدم مواد ترميم حديثة تتوافق مع المعايير الدولية، بحيث تكون قابلة للإزالة مستقبلًا إذا ظهرت تقنيات أفضل، وهو ما يُعرف بمبدأ "الترميم القابل للعكس".
وقد لعبت هذه المعامل دورًا محوريًا في ترميم مجموعة الملك الذهبي توت عنخ آمون، حيث تم فحص وترميم آلاف القطع الخاصة به قبل عرضها في قاعات العرض الرئيسية بالمتحف. واستغرقت بعض عمليات الترميم سنوات من العمل الدقيق، نظرًا لحساسية القطع وأهميتها التاريخية.
ولا يقتصر دور معامل الترميم على صيانة القطع المعروضة فقط، بل تمتد مهمتها إلى استقبال القطع الأثرية المكتشفة حديثًا في مختلف أنحاء مصر، وإعدادها للعرض أو الحفظ في المخازن المتحفية. كما تُعد المعامل مركزًا تدريبيًا مهمًا، حيث يتم تدريب الكوادر المصرية الشابة على أحدث تقنيات الترميم بالتعاون مع خبراء دوليين.
وتسهم هذه المعامل في الحفاظ على التراث الحضاري المصري للأجيال القادمة، من خلال تطبيق أسس علمية دقيقة تضمن استقرار القطع الأثرية على المدى الطويل. وبذلك لا تمثل معامل الترميم مجرد مكان لإصلاح القطع التالفة، بل تُعد منظومة علمية متكاملة تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة والخبرة البشرية، في سبيل حماية أحد أقدم وأعظم تراث حضاري عرفه التاريخ.
